مجموعة 2 من قصائد نزار القباني

عادات

****
تعودت قهوتك العربية
كل صباح
ورائحة البن فعل اعتياد

تعودت صوتك
يضرب مثل البيانو
خفيفا ، عميقا ، حزينا
وصوت النساء ظن معاشرة واعتياد

تعودت عطرك
يدخل تحت مسامات جلدى
وقد يصبح العطر . .
- مثل الكتابة -
فعل اعتياد . .

تعودت وجهك
يكتب نصف القصيدة فبلى
ويمسك خيط العبارة قلبى
ويغمس اصبعة
فى المداد . .

تعودت شعرك
يمتد مثل العريشة فوقى . .
وصهل فوق ضلوعى
صهيل الجياد . .

تعودت قغطانك المغربى
ينقط وردا ً وماء ً على
وفى حالة العشق . .
يصبح ثوب الحبيبة بيتا ً . .
ويصبح أما ً . .
ويغدو لنا وطنا ً . . مثل كل البلاد . .

تعودت عينيك
مثل حشيشة كيف . .
فما عدت أبصر
بين العيون الكبيرة
الا السودا . .

تعودت . .
أن تغطى بريش حنانك
خمسين عاما ً . .
ومنذ سحبت غطاء الأمومة عنى
نسيت الرقاد

تعودت جسمك . .
يسرق نصف الشراشف منى
ونصف الوساد
ويحتلنى بوصة بوصة
ويتركنى كومة رماد . . .



الموجز فى بلاغة النساء

**********
لو تسكتين . .
لو تسكتين دقيقة . .
لو تسكتين . .
هذا الشريط سمعته ، وحفظته
فتوقفى عن عزفة
من اجل رب العالمين

أعطى لجسمك فرصة
لبقول أى قصيدة
غزلية يختارها . .
أو أى بيت شاء
من شعر الحنين

أعطى لوجهك فرصة
حتى يدوخنى بفتنة . .
ويغسلنى بفضتة
ويقرأ لى مساء "
ما تيسر من كتاب الياسمين . .

أعطى لشعرك فرصة
ليدور حول الأرض . .
او حولى ملايين السنين . .

أعطى اعطرك فرصة
حتى يعبر عن مشاعرة
كل شجاعة . .
وتطرف
فالعطر مفتاح اليقين

أعطى لثغرك فرصة
حتى يقدم مشمشا ً . .
وسفرجلا ً . . وسلال ليمون
لكل الجائعين . .

أعطى لنهدك فرصة
حتى يحطم قيدة
ويقود جيش الثائرين . .

أعطى لخصرك فرصة
حتى يثقفنى . .
ويصقلنى
ويشعرنى بأنى أنتمى
لحضارة المتحضرين . .

لو نسكتين . . .
لو تسكتين دقيقة . . .
لو تسكتين .
كل اللغات ، سوى الأنوثة ، كذبة
كل البلاغة كذبة كل الفصاحة كذبة
كل الخطابة فى سرير الحب ، وقت ضائع . .
ومهانة للعاشقين . .

خلي فصاحتك القديمة " جانبا "
كل الكلام الفلسفى . . . نسيته
إلا كلام الياسمين ! !







حقا ئب البكاء


****
إذا أتى الشتاء
وحركت رياحه ستائرى
أحس ياصديقتى
بحاجة إلى البكاء
على ذراعيك . .
على دفاترى . .
إذا أتى الشتاء
وانقطعت عندلة العنادل
وأصبحت . .
كل العصافير بلا منازل
يبتدىء النزيف فى قلبى . . وفى أناملى كانما الأمطار فى السماء
تهطل ياصديقتى فى داخلى . .
عدئذ . . يغمرنى
شوق طفولى إلى البكاء . .
على حرير شعرك الطويل كالسنابل . .
كمركب أرهقه العياء
كطائر مهاجر . .
يبحث عن سقف له . .
فى عتمة الجدائل . .
****
إذا أتى الشتاء . .
واغتال مافى الحقل من طيوب
وخبأ النجوم فى ردائه الكئيب
ياتى إلى الحزن من مغادرة المساء
ياتى كطفل شاحب غريب
مبلل الخدين والرداء . .
وافتح الباب لهذا الزائر الحبيب
امنحه السرير . . والغطاء
امنحه . . جميع مايشاء







رسائل لم تكتب لها


******
مزقيها . .
كتبى الفارغة الجوفاء إن تستلميها . .
والعنينى . . والعنيها
كاذبا كنت . . وحبى لك دعوى أدعيها
إننى أكتب للهو . . فلا تعتقدى كاجاء فيهافانا - كاتبها المهووس - لا أذكره
ماجاء فيها . .
اقذفيها . .
اقذفى تلك الرسالات . . بسل المهملات
واحذرى . .
أن تقعى فا الشراك المخبوء بين الكلمات
فانا نفسى لا ادرك معنى كلماتى
فكرى تغلى . .
ولا بد لطوفان ظنونى من قناة
أرسم الحرف
كما يمشى مريض فى سبات
فإذا سودت فى الليل تلال الصفحات
فلأن الحرف ، هذا الحرف جزء من حياتىولأنى رحلة سوداء فى موج الدواة
****
اتلفيها . .
وادفنى كل رسالاتى باحشاء الوقود
واحذرى أن تخطئى . .
أن تقرئى يوما بريدى
فانا نفسى لا أذكر مايحوى بريدى ! . .
وكتاباتى ، وأفكارى ، وزعمى ، ووعودىلم تكن شيئا ، فحبى لك جزء من شرودىفأنا أكتب كالسكران
لا أدرى اتجاهى وحدودى
أتلهى بك ، بالكلمة ، تمتص وريدى
قحياتى كلها .
شوق إلى حرف جديد
ووجود الحرف من ابسط حاجات وجودىهل عرفت الآن ما معنى بريدى ؟





شؤون صغيرة

*****
شؤون صغيرة
تمر بها أنت . . دون التفات
تساوى لدى حياتى
جميع حياتى . .
حوادث . . قد لا تثير اهتمامك
أعمر منها قصور
وأحيا عليها شهور
وأغزل منها حكايا كثيرة
وألف سماء . .
وألف جزيرة . .
شؤون . .
شؤنك تلك الصغيرة
فحين تدخن أجثو أمامك
كقطتك الطيبة
وكلى أمان
ألاحق مزهوة معجبة
خيوط الدخان
توزعها فى زوايا المكان
دوائر . . دوائر
وترحل فى آخر الليل عنى
كنجم ، كطيب مهاجر
وتتركنى ياصديق حياتى
لرائحة التبغ والذكريات
وأبقى أنا . .
فى صقيع انفرادى
وزادى أنا . . كل زادى
حطام السجائر
وصحن . . يضم رمادا
يضم رمادى . .
****
وحين أكون مريضة
وتحمل أزهارك الغالية
صديقى . . إلى
وتجعل بين يديك يدى
يعود لى اللون والعافية
وتلتصق الشمس فى وجنتى
وأبكى . . وأبكى . . بغير إرادة
وأنت ترد غطائى على
وتجعل رأسى فوق الوسادة . .
تمنيت كل التمنى
صديقى . . لو أنى
أظل . . أظل عليلة
لتسأل عنى
لتحمل لى كل يوم
ورودا جميلة . .
****
وغن رن فى بيتنا الهاتف
إليه أطير
أنا . . ياصديقى الأثير
بفرحة طفل صغير
بشوق سنونوة شاردة
واحتضن الآلة الجامدة
واعصر أسلاكها البارده
وانتظر الصوت . .
صوتك يهمى على
دفينا . . مليئا . . قوى
كصوت نبى
كصوت ارتطام النجوم
كصوت سقوط الحلى
وأبكى . . وأبكى . .
لأنك فكرت فى
لأنك من شرفات الغيوب
هتفت إلى . .
****
ويوم أجىء إليك
لكى أستعير كتاب
لازعم أنى أتيت لكى أستعير كتاب
تمد أصابعك المتعبة
إلى المكتبة . .
وأبقى أنا . . فى ضبب الضباب
كأنى سؤال بغير جواب . .
أحدق فيك وفى المكتبة
كما تفعل القطة الطيبة
تراك اكتشفت ؟
تراك عرفت ؟
بأنى جئت لغير الكتاب
وأنى لست سوى كاذبة
. . وأمضى سريعا إلى مخدعى
أضم الكتاب إلى أضلعى
كأنى حملت الوجود معى
أشعل ضوئى . . وأسدل حولى لستور
وأنبش بين السطور . . وخلف لسطور
واعدو وراء الفواصل . . أعدو
وراء نقاط تدور
وراسى يدور . .
كأنى عصفورة جائعة
تفتش عن فضلات البذور
لعلك . . يا . . ياصديقى الأثير
تركت بإحدى الزوايا . .
عبارة حب قصيرة . .
دنينة شوق صغيرة
لعلك بين الصحائف خبأت شيئا
سلاما صغيرا . . يعيد السلام إليا
****
وحين نكون معا فى الطريق
وتأخذ - من غير قصد - ذراعى
أحس أنا ياصديق . .
بشيء عميق
بشيء يشابه طعم الحريق
على مرفقى . .
وأرفع كفى نحو السماء
لتجعل دربى بغير انتهاء
وأبكى . . أبكى بغير انقطاع
لكى يستمر ضياعى
وحين أعود مساء إلى غرفتى
وأنزع عن كتفى الرداء
أحس - وما أنت فى غرفتى - بين يديك
تلفان فى رحمة مرفقى
وأبقى لأعبد يامرهقى
مكان أصابعك الدافئات
على كم فستانى الأزرق . .
وأبكى . . وأبكى . . بغير انقطاع
كأن ذراعى ليست ذراعى . .
هذا الموضوع كتبته يوم ضمن تصنيف فأن اصبت فمن الله وحده و ان اخطات فمن نفسي و الشيطان . يمكنك نقل اي موضوع من المدونة بشرط ذكر المصدر و ذكر رابط الموضوع الاصلي للاتصال او الاستفسار عن اي موضوع من هنا.